نقطة وسطر جديد

نقطة وسطر جديد

0
(0)

حتى أنتهي تمامًا من ملف فيلم الست الذي أثار موجة جدل واسعة، وشغلني شخصيًا لفترة لا بأس بها، على أنها طالت لأكثر من اللازم، فقد توصلت للحل، أو للخلاص الحقيقي، سوف أسطر هذه المرة مقالًا ذاتيًا تمامًا، تجربة شخصية حول ما مررت به في تلك الأيام، لذا لا تتوقع أن تقرأ في مقالي عن جدل تاريخي أو فني، أو أن تجد مصادر أو معلومات موثقة بأسماء أو أرقام.

أنا من مواليد الثمانينات، وهذا يعني أني من جيل لم يشهد أم كلثوم أبدًا، لم تكن تغني على الهواء مباشرة في جيلنا، لم تكن لها تذاكر حفلات تُباع، لا أخبار أو صراعات جديدة، ولا ترقب لأغنية جديدة في الخميس الأول من كل شهر، لكننا نشأنا على يد جيل عايش أم كلثوم، لكنه عايشها في مرحلة متأخرة من حياتها، عايشها بعد أن أنهت صراعًا طويلًا انتهى بها لتكون كوكب الشرق، فنانة ومطربة تقف بثبات على خشبة المسرح ولا ينازعها أحد، وهذا الجيل تربى على يد جيل آخر عايش أم كلثوم في فترة الثلاثينات والأربعينات، وخاض معها تجربة مختلفة، وهم بالطبع يختلفون عن الجيل الذي سبقهم وعايش لحظة “ظهور مطربة جديدة اسمها أم كلثوم”.

كل جيل من هذه الأجيال عايش تجربة مختلفة تأثر بها، وكل جيل نظر للسيدة أم كلثوم نظرة مختلفة، جيلنا عرفها كمزاج وخلفية صوتية مرتبطة بالجلسات العائلية مع الآباء والأجداد، وكطابع لمصر في أي مكان سياحي وثقافي، جيل حفظ نبرة صوتها بأكثر من أغانيها، ونشأ على كونها عظيمة دون أسباب معروفة، رصيد كل واحد من الأغاني التي يعرف كلماتها من بدايتها لنهايتها قليل؛ لكنه يعرف الكثير من أسماء الأغاني وجملها، مع ذلك هو جيل لا يختلف على كونها عظيمة وإن كان لا يمجدها كأسطورة كالجيل الذي يسبقه.

جيل آباءنا وأمهاتنا أحبوها كحالة وجدانية، ارتباطهم بها عبر الإذاعة التي تبث أغانيها، والحالة المحيطة بهم دومًا تأكد أن هذا الصوت ماسي، وأن الكبار يستمعون إليها، وميسوري الحال ينعمون بحضور حفلاتها، وعاشت أغاني أم كلثوم في وجدانهم، وارتبطت بذكرياتهم ومواقف حياتهم، فأصبحت شيء لصيق بهويتهم وتاريخهم الشخصي، وهنا عاشت بداخلهم الأسطورة التي تربت في قلوب الجيل الذي سبقهم.

جيل الأجداد عاش تجربة مختلفة تمامًا، هذا هو الجيل الذي كان يسعى لامتلاك الجرامافون، ويشتري الإسطوانات، ويجتمع أفراده معًا ملتفين حول الجرامافون للاستماع لأغنية جديدة، جيل عايش تجربة المسرح بما فيها من إبهار، فامتزج لديهم الصوت الجميل، والكلمة الراقية واللحن المميز بالتجربة المسرحية وصعوبة الحصول على الأغنية بعدها، وذكرى التجمع، والشوق لأغنية جديدة، وتخمين ما ستغنيه السيدة لاحقًا، ومتعة تلقي الجديد منها كل شهر، وعاش هذا الجيل متعة الأسطورة، وعمل على تنميتها وتزكيتها، لكن الأسطورة ولدت في الجيل الذي سبقهم وعاش في مصر في فترة العشرينات، وعرف ما كان وكيف صار.

التجارب مختلفة جدًا، وبما أني من جيل الثمانينات كما ذكرت فأنا لم أعايش ما عايشه الآباء والأجداد، وعلى المستوى الشخصي كانت أم كلثوم بالنسبة لي “مود”، وأذكر أني كنت أداوم على تشغيل أغنيتها “لسه فاكر” وأنا أعيد كتابة محاضراتي في الجامعة، فكنت أنصت لأولها ثم أتوه مع الموسيقى والتكرار ومع ما أُنجزه لأكتشف أنها انتهت، وأن الكوبليه الثاني ظل مفقودًا طوال أربع سنوات، وفي فترة من الفترات أحببت “سيرة الحب”، فكنت أسمعها يوميًا وحفظت كلماتها، وأذكر مواقفي مع أمي العاشقة لها، كان الاستماع لبعض أغاني أم كلثوم أمرًا مُحتَّمًا ومفروضًا علي في الكثير من الأحيان: “حيرت قلبي” “هو صحيح الهوى غلاب” “أنساك” وغيرها، لدرجة أنه كان يتوجب علي أحيانًا أن ألعب دور الجمهور المستمع لصوت أمي وهي تردد أغاني الست، وبالطبع لم أسلم من حب أبي لأغانيها: “شمس الأصيل” و”نسمة الجنوب” و”الأطلال” وغيرها.

حين كتبت مراجعتي ومقالي السابق عن فيلم الست قالت لي أمي: “أعجبني كلامك الموضوعي والحيادي رغم أنك لا تحبينها أو لا تحبينها بالدرجة التي أحبها بها”، هي محقة! أنا لا أحب أم كلثوم مثلها، لكني أحترمها وأقدر قوة صوتها رغم ميلي للصوت السبرانو، لكن الحب شيء والاحترام شيء آخر.

ظل موقفي من أم كلثوم كما هو حتى قرأت عنها، وسمعتها، وشاهدت سيرتها في مسلسل أم كلثوم بطولة صابرين وإخراج إنعام محمد علي وكتابة محفوظ عبد الرحمن، وهنا كانت المفاجأة، حين وصلت لهذه المرحلة بدأت أتعرف على أم كلثوم التي لم يُوفق أحد من جيل آباءنا أو أمهاتنا في توصيفها لنا، صوتها القوي موهبة إلهية، لكن إرادتها وعزيمتها وقدرتها على بناء نفسها شيء آخر، القول بأنها تغني كلمات جميلة أو تغني الشعر وحده غير كافٍ بالنسبة لجيل سمع كاظم الساهر مثلًا يشدو القصائد، أو سمع عبد الحليم حافظ يغنيها من قبل، ما المميز؟ ما الذي يصنع فرقًا؟ التاريخ يجيب عما أغفله الآباء وهم معذورون، فالحقبة التي أوجدت هذا التميز لم تكن في زمنهم هم؛ بل في زمن آبائهم، حين تطلع على تاريخ الفن في مصر وقتها في العشرينات والثلاثينات ستدرك أن غناء أم كلثوم للشعر وقتها كان تحدٍ كبير، لكن هم توارثوا الطابع من آبائهم وهذا طبيعي جدًا، نحن أيضًا توارثنا عنهم معرفتنا بقوة صوت الست وعظمته.

لكن حين نقرأ عن المجال الصوتي لصوت أم كلثوم بعدد الأوكتافات، أو نقرأ عن مجال الترددات الصوتية لصوتها سنصل لقناعة مختلفة، ودرجة إعجاب أعمق وأقوى من مجرد شعور متوارث، حين نعرف أن الملحنيين وصفوا صوتها بأنه خالٍ من نقاط الضعف، وأنه كان يفتح المجال واسعًا أمامهم للإبداع والانتقال من لحن لآخر ومن مقام لآخر ومن طبقة لطبقة؛ عندها سندرك لماذا كان الملحنون يحلمون بالتلحين لها، أو لماذا كان الشاعر أحمد رامي لا يتقاضى ثمنًا عن غنائها لكلماته، لم يكن الحب فقط هو الدافع، بل الشعور بالتكريم حين تنطلق كلماته بصوت يحمل هذه السمات القوية، للفنانيين دومًا رأي ومزاج خاص قد لا يدركه الجميع!

إطلاعي جعلني أرى تلك السيدة وهي ريفية، فنانة صاعدة، سيدة مكافحة، امرأة صامدة ذات وجهة نظر، رأيتها إنسانة، بالضبط إنسانة كما أراد صناع فيلم الست، لكنهم لم يُوفقوا بنظري أبدًا، لأن حياة السيدة كانت مليئة بالصراعات والآلام والعثرات على كل المستويات، لكنهم حاولوا تضخيم الأشياء الصغيرة، استبعاد المشوار الفني بكل تحدياته، واختلاق واقع غير موجود، ومزجوا بين قوة الشخصية والالتزام وبين التعجرف وقلة الذوق، ومثلوا الوحدة بسذاجة وسطحية رغم أنها موجودة ومقبولة حين نتحدث عن امرأة لم تتزوج لسنين طويلة وحُرمت من الذرية، لكن تصوير الوحدة النفسية بوحدة جسدية هي سذاجة لا يقدم عليها سوى طفل في الابتدائية لا يعرف كيف يعبر عن المعاني العميقة برمزية.

وبعيدًا عن مغالطات الفيلم وما كتبته عنه، وجدت نفسي أسأل نفسي سؤالًا مهمًا: إن كان هذا الفيلم موجه للجيل الجديد فما الذي يريد قوله لهم؟ وأي سؤال سيجيب عنه؟ إذن لنسأل الجيل الجديد عما يعرفه عن أم كلثوم، إنه لا يعرف شيء تقريبًا، اسمها، صوتها، ولا شيء أكثر، لأن الموروث يقل من جيل إلى جيل، والذوق والمزاج العام يختلف، والساحة تزداد ازدحامًا، لكن السؤال الذي لا يعرف هذا الجيل جوابه هو: “لماذا هي عظيمة بنظر الأجيال الماضية؟ لماذا هي كوكب الشرق؟” وهذا السؤال فشل الفيلم فشلًا ذريعًا في الإجابة عنه حين اختار بوعي عزل المشوار الفني والتركيز على الإنسانة بسطحية، هو لم يقدم قصة كفاح بل محض سخافة وسطحية بزخارف بصرية مبهرة.

الأسطورة والتقديس شيء، وتقديم الإجابات شيء آخر، إن كان الشخص قد قام بفعل عظيم فمن الأمانة نقل عظمته، والسيرة الذاتية لمن قدم شيء عظيم تستمد أهميتها من أهمية ما قدمه، أما سرد الحياة الشخصية فقط كهدف فهو هدف عديم القيمة.

والعيوب والسلبيات لا بأس بها ما دامت حقيقية وفي صلب الحكاية، غير ذلك هي محض نميمة وإسفاف، أعجبني كثيرًا رأي أحد مراجعي الفيلم قائلًا ما معناه أن هناك فرقًا بين العيب الموجود في الشخصية والعيب الذي قد يتوهم المرء إنه موجود جراء موقف واحد، ويعني بذلك الفرق بين شخص يغضب وشخص غضوب، الأول حالة مؤقتة والثاني صفة سلبية في الشخصية، وأعتقد أن كاتب الفيلم قد تورط في هذا الأمر وبقوة.

السينما أداة قوية، وقدرتها على التأثير لا حدود لها، وهي قادرة على إمتاع الجيل الجديد وإبهاره، إذن لماذا لا نقدم من خلالها إجابات صادقة لتلك الأجيال بطريقة مبهرة وجذابة؟ إجابات صادقة لا رواية مفككة بأخطاء تاريخية ومهنية، رواية محملة بوجهة نظر متحيزة لكاتبها، رواية لا تحترم زمنها، وتُحمِّل شخصياتها أفكار ومشاعر عصر يختلف عن عصرها!

مراجعة فيلم “الست”

قيم هذا المقال

0 / 5. 0

كن أول من يقيم هذا المقال

Favorite

اشترك في مدونة نسمة السيد ممدوح

كن أول من يقرأ جديد المقالات والقصص والمراجعات

تعليقات القراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حالم

قصة فتى اضطرته الظروف القاسية لترك التعليم، تغيرت حياته، وصار عليه مواجهة واقع قاس، ومستقبل محفوف بالمخاوف على شقيقه الأصغر…
تابع القراءة
داخل فصل دراسي في مدرسة، توجد سبورة وطاولات وكراسي

نسمة السيد ممدوح

كاتبة ومذيعة مصرية من مواليد 1986، حاصلة على ليسانس الآداب قسم الإعلام – إذاعة وتلفزيون عام 2008.