حالم

حالم

3.2
(6)

الجو حار هذه الأيام، الطقس خانق، والرطوبة لا تطاق، مددت يدي أدير مقبض الصنبور الموجود في الركن الخلفي من ورشة الأسطى سيد، ابتسمت للماء الذي تدفق أمامي بحرية، وتذكرت منزلنا الذي لا يضم صنبورًا ولو كان أبسط وأحقر من صنبور ورشة الأسطى سيد المتواضع.

شمرت عن ساعديَّ وبدأت أغسل وجهي وكفي جيدًا، لا أريد أن أعود للبيت فتراني أمي بهذه الحالة، الشحم يلطخ وجهي ساعديَّ، والعرق قد حفر بملوحته أخاديد على جبيني وخدي.

انتهيت من غسل وجهي ولم أعر اهتمامًا لتجفيفه، لا حاجة لذلك في مثل هذا الوقت من السنة، يكفيني أن تهب نسمة على وجهي المبلل بالماء فتبرده وتبرد معه روحي المتعبة، وترد إليها شيئًا من السكينة.

قرب المحطة اندسست بين العشرات من الرجال، كنت أزاحمهم معلنًا عن وجوي وحقي الطبيعي في أن أصل مثلهم للحافلة، وأن أركبها لحظة توقفها، لا زلت أذكر الماضي، حين كنت أندس في الحافلة فتكاد الأجساد الضخمة أن تسحقني سحقنًا غير مدركة لوجودي بينها من الأساس، كانت تلك ذكريات قديمة جدًا، لكن هل كانت قديمة فعلًا كما أشعر بها؟ أنا الآن في الخامسة عشر من عمري، وتلك الذكريات كانت منذ.. خمس سنوات أو ربما سبع، لا أذكر بالضبط، لم تعد ذاكرتي تسعفني كثيرًا، فهناك ما هو أهم من ذكرياتي التي لن تفيد أحدًا، هناك ينتظرني بيتنا المتهالك، أمي التي ستسألني عن علاجها بحيائها وإن كنت قد تمكنت من توفير ثمنه من يوميتي المتواضعة، وحالم ذو التسع سنوات الذي سوف يتعلق بعتقي ككل يوم وكأني أبوه، نعم هناك لفة الطعمية التي علي شراءها قبل عودتي، والرغيفين الوحيدين وهما قوت يومنا حتى الغد، عضضت شفتي بمرارة وأنا أذكر تاريخ اليوم، سبتمبر على الأبواب، وهذا الشهر بإطلالة الخريف يعني لي الرعب الحقيقي.

وصلت الحافلة فتعلقت ببابها، وتعلمت مع الوقت كيف أدير رأسي وجسدي فيها كالمسمار حتى أتمكن من الوصول لمكان مناسب للجلوس، هذه مهارة سنين من الحياة في الشوارع والأزقة، ومقاومة الكبار الذين لا يعنون بمن هم أصغر منهم جسدًا وسنًا، ناهيك عن المتعجلين، والعصبيين، والساهين، وأصحاب الديون ،والباعة، والمتسولين، ولا يمكنني أن أنسى زبائن الأسطى سيد من كل الطبقات، منهم من يغدق بابتسامة، ومنهم من يتصدق بمصمصة شفاة، ومنهم من يجود بجنيه، والأغلبية لا تعر أحدًا اهتمامًا وكل ما يعنيها الزيت ومياه الرادياتير وتعبئة تيل الفرامل وهلم جرًا.

لكن يعود شهر سبتمبر ليفرض نفسه علي بالقوة، منذ أعوام، وعندما كنت طفلًا، أقولها وكأني صرت رجلًا ناضجًا رغم أن مستر أحمد الذي يسكن أعلى ورشة الأسطى سيد قال لي مازحًا ذات يوم: “أنت تضيع نفسك ومستقبلك، تعمل وأنت في عرف القانون طفلًا من حقه أن يذهب لمدرسته، ويتعلم ويحظى بأسرة سعيدة”, لا ألومه فالمستر لا يدري شيئًا عني، ويظن البلية وصبي الميكانيكي هو قراري، وأني أكره المدرسة ولا أطيق التعليم، ليته يعلم ما حدث في سبتمبر ذلك العام، ففي مثل تلك الحافلة حشرت رأسي بصعوبة بين رجلين كانا يتناقشان باهتمام وكأنهما يسعيان لحل مشكلة الشرق الأوسط، كنت طفلًا حقًا لكني لا زلت أذكر من كلامهما الكثير من العبارات التي فهمت نصفها وأثار شغفي ورغبتي ما لم أفهمه من نصفها الثاني، كانا يرددان كلمات مثل: الكومبيوتر، لغة العصر، مهندس IT، قال أحدهما أن العالم الورقي سينتهي قريبًا وسيغدو موضة قديمة، واسترسل الآخر في الحديث عن الكومبيوتر وهو يروي تاريخًا بدا لي ضربًا من الأساطير، يومها شعرت بشغف حقيقي لاكتشاف هذا العالم الذي يتحدثان عنه، بهرني مسمى مهندس ال IT، وقررت أن أسأل عنه مدرس العلوم حالما نعود للدراسة، كنت سعيدًا ومنتشيًا بالحلم والشغف، لكن حالما خطت قدماي عتبة بيتنا وسمعت بكاء أمي حتى أفقت من نشوتي.

دخلت البيت فوجدت أبي ممددًا على فراشه والدم يلوث ملابسه، سمعتهم يقولون بأنه قد تعرض لحادث سير، دهس المسكين وترك على جانب الطريق ينزف حتى أتى به الجيران محمولًا على الأكتاف، لماذا لم يحملوه للمستشفى؟ لأننا ببساطة أدنى بكثير من أن نحلم بالمستشفى، أقصى ما نحلم به هو ألا ينهار السقف فوق رؤوسنا مع الريح والمطر، وأن نجد ما نسد به رمقنا من الطعام أيًا كان نوعه.

لكن أبي لم يتعافى، ولم تطلع عليه الشمس، واستدانت أمي لتوفر مصاريف الحانوتي ولوازم الدفن، وأتى المعزون تباعًا لبيتنا ليقدموا واجب العزاء دون أن يشربوا شيئًا غير الماء، وانقضت الأيام.

صبح اليوم الأول من العام الدراسي الجديد ربتت أمي على كتفي، وجلست على ركبتيها وجعلت وجهها مواجهًا لوجهي وقالت تحاول بث رجولة مزعومة في دمي: “أنت لن تذهب للمدرسة اليوم، الأسطى سيد ينتظرك، أنت رجل البيت الآن، والديون كثيرة يا حبيبي”.

هل بكيت يومها؟ نعم، بكيت كثيرًا لكن بعيدًا عن عينيها، بكيت في الشارع، في الحافلة، على باب الأسطى سيد، خلف الدواليب، وأسفل الحوض في الزاوية.

ويومًا بعد يوم توارت المدرسة، وبقي مهندس ال IT المجهول حلمًا لا أملك حتى الوقت للتعرف عليه، لكني شعرت بالمرارة و حالم يبدأ مشواره في المدرسة، كان توفير ما يلزم لتعليم حالم كارثة بحق، كارثة أستعد لها عامًا كاملًا، أدخر ما أستطيع يومًا بعد يوم لعلي أقدر على أعباء مدرسته: ملابسه، كتبه، دفاتره، أقلامه، واليوم أنا على وشك الانتهاء من المدة، العام الدراسي على الأبواب، وفي حصالتي الصغيرة ما سيهدد حالم بأن يصبح غدًا ويده بيدي لورشة الأسطى سيد.

وصلت البيت وأنا أعاني من الغم والكآبة، لكني تفاجأت بشاب غريب في بيتنا لم أعرفه، نظرت لأمي باستغراب فأشارت للشاب قائلة: “تعال، لقد جاء الفرج، هذا الشاب من زواد”.


كتبتُ قصة حالم لدعم مؤسسة زواد لتنمية المجتمع، وخاصة حملتها السنوية لدعم الطلاب والطالبات من أبناء غير القادرين في مصر، وذلك لمكافحة التسرب من التعليم، والسعي نحو تحقيق أهداف مصر 2030 وأهداف التنمية المستدامة بالقضاء على الأمية، وتقرير حق كل طفل في التعليم.

تدعم المؤسسة الطلاب والطالبات بالمصاريف الدراسية، الكتب، الأدوات المدرسية والزي المدرسي، وتوفر طرق عديدة للتبرع للمؤسسة ودعم أنشطتها، سواء للكفالة التعليمية أو غيرها من الأنشطة الأخرى.

شاركتُ بشكل شخصي في دعم مؤسسة زواد لتنمية المجتمع، وأدرت حسابهم التسويقي الرقمي لعدة سنوات، وهذه القصة جاءت كعمل تطوعي تعبيرًا عن حبي للمؤسسة، وارتباطي النفسي بها لسنوات.

قيم هذا المقال

3.2 / 5. 6

كن أول من يقيم هذا المقال

Favorite

اشترك في مدونة نسمة السيد ممدوح

كن أول من يقرأ جديد المقالات والقصص والمراجعات

تعليقات القراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

نسمة السيد ممدوح

كاتبة ومذيعة مصرية من مواليد 1986، حاصلة على ليسانس الآداب قسم الإعلام – إذاعة وتلفزيون عام 2008.