حين غابت الست وأم كلثوم عن فيلم “الست”

حين غابت الست وأم كلثوم عن فيلم “الست”

5
(1)

عُرض فيلم الست في نهاية عام 2025، ووافق ذلك الذكرى الخمسين لرحيل كوكب الشرق السيدة أم كلثوم، انقسمت الآراء حول الفيلم بين مؤيد ومعارض حتى من قبل عرضه على شاشة السينما، واحتدم الجدل وطال أوساطًا وطبقات متبانية: إعلاميين، فنانيين، نقاد، مفكرين، وجمهور عام عبَّر عن رأيه على منصات التواصل الاجتماعي، كل ذلك دفعني لاتخاذ القرار الحاسم بمشاهدة الفيلم لتكوين رأي شخصي مستند إلى مشاهدة حقيقية، وتحليل لما قِيل وكُتب عنه، وخضت هذه التجربة متسلحة بمعرفتي وذوقي الفني، إعادة مشاهدتي لمسلسل أم كلثوم الذي أنتج في 1999، الاستماع الكامل لحوار السيدة أم كلثوم مع وجدي الحكيم، قراءة كتاب “أم كلثوم التي لا يعرفها أحد” لمحمود عوض والذي ورد فيه جزء من مذكراتها الشخصية وضمنه مؤلفه الكثير من الحوارات والمواقف معها، ومقتطفات من مذكرات غيرها عنها ، وأخيرًا مشاهدة الفيلم التي تلاها مشاهدة الكثير من المراجعات التي نُشرت عنه، الحوارات التي أُديرت مع مؤلف الفيلم ومخرجه، بالطبع يصعب الإلمام بكل ما كُتب ونُشر وأُذيع، لكني اجتهدت حتى بلغت كفايتي لأكتب هذا المقال المطول جدًا عن فيلم “الست”.

النجاح التجاري أم النجاح الفني؟

هذا هو السؤال الأهم بنظري في مثل هذا الجدل، البعض يحتج لنجاح الفيلم أو نجاح أفلام سابقة لصنَّاعه بالقدرة على تحقيق الإيرادات (شباك التذاكر)، لكن هل قدرة الفيلم بالفعل على جني إيرادات كبيرة بغض النظر عن تكلفة إنتاجه تعني بالضرورة نجاحه فنيًا؟

برأيي الإجابة هي “لا”، أجل، “لا” صريحة وقاطعة، ثمت أسباب كثيرة جدًا قد ترفع من إيرادات الأفلام؛ لكنها لا تعني بالضرورة أن تلك الأفلام ناجحة فنيًا، وأنها أعمال قيمة وقادرة على البقاء في ذهن الجمهور ووجدانه وضميره.

من أهم الأسباب وأكثرها شيوعًا الفضول، الجمهور قد يشتري التذاكر بدافع الفضول فقط لاكتشاف شيء جديد، لكن حُكمه بعد المشاهدة لا يرصده شباك التذاكر.

“التسويق الذاتي”، هذا هو السبب الثاني، بعض المنتجات الفنية وحتى الاستهلاكية تسوق لنفسها بنفسها بشكل ذاتي، مما يدفع الجمهور لشراء التذاكر أو شراء المنتجات، ما يحدث بعدها قد يكون انبهارًا أو صدمة، لكن الأرباح قد تحققت بالفعل، في فيلم “الست” يعتبر اسم أم كلثوم بحد ذاته علامة مميزة Brand، هذه العلامة سوقت للفيلم من قبل عرضه، وضمنت ملايين التذاكر، وإذا أضفنا الفضول للتسويق الذاتي للعمل فنحن أمام تذاكر تتضاعف تلقائيًا دون أن يكون لجودة العمل الفني دخل فيها.

وعلى المستوى الشخصي أستطيع أن أقول بثقة بأن لي تجارب شخصية عديدة أستطيع أن أقر فيها بتحقيق أعمالًا فنية ضعيفة لأرباح كبيرة فقط بدافع فضول الجمهور والصورة الذهنية المسبقة عن العمل نفسه في وجدان الجمهور.

ثالث الأسباب هو الارتباط بأحد أفراد طاقم العمل، من يحب فنانًا يشتري تذاكر أفلامه الجديدة، هذا معروف جدًا، بل ويعتمد عليه المنتجون بكثرة، اختر فلان لأن اسمه سيحقق لك أرباحًا، لكن هل بالضرورة أن يكون العمل الجديد مُرضيًا؟ لا، حاسمة وقاطعة.

السبب الرابع معروف ولكن قلما يتحدث عنه الناس، بدافع الحياء ربما، بدافع الحفاظ على بهاء الصورة ربما، ويكمن هذا السبب في أن بعض التقنيات السينمائية والمشاهد قد تحقق أرباحًا برغم رخصها وتدنيها، هذا ما يطلق عليه “المشاهد الساخنة”، أفلام السينما التي تحتوي مشاهد من هذا النوع تحقق أرباحًا بالفعل، لكنها تبقى أفلامًا رخيصة، تولد بسرعة وتموت بسرعة، وأنا هنا أناقش الأسباب بشكل عام ولا أربطها بفيلم “الست” لا من قريب ولا من بعيد، وحتى لا يلتبس الأمر على أحد أكتبها صريحة: فيلم الست لم يتضمن مشاهد ساخنة أو خارجة يمكن أن تؤدي لزيادة الإيرادات.

السبب الخامس هو من أهم الأسباب وهو روعة تجربة السينما بحد ذاتها، الكثيرون عاشقون للسينما، أن تجلس وسط جمهور في صالة عرض مظلمة، وتشاهد فيلمًا على شاشة بهذا الحجم، مع مؤثرات صوتية وبصرية مذهلة، وبدون عوامل تشويش، هذه تجربة رائعة لا يفوتها الكثيرون، متعة وشغف وإثارة، لكنك تدخل في كل مرحلة لتجرب حظك، وكثيرًا ما يخرج من لديه هذا الشغف دومًا بقدر من الرضا، لا رضا عن الفيلم بحد ذاته؛ ولكن رضا عن التجربة، لقد شاهد وانفعل وانبهر وهذا كافٍ لإسعاده.

إذن هل تحقيق فيلم “الست” لإيرادات أيًا كان حجمها كفيل لإخراس الجمهور أو النقاد؟ لا، هل هو دليل على نجاح الفيلم فنيًا؟ لا، هل هو مؤشر على قدرة الفيلم على البقاء في ذهن الجمهور وعاطفته؟ الإجابة أيضًا “لا”، فيلم “الست” لا يزال في مرحلة الاختبار، وما سيبقيه أو يدفنه في الرمل هو جودته الفنية التي سيجادل فيها النقاد، وسيعبر عنها الجمهور بلغته البسيطة وانطباعاته المباشرة ولو على وسائل التواصل الاجتماعي.

فيلم “الست” مؤامرة، والهجوم عليه ممنهج وتقوم به لجان إلكترونية

هذا عبث حقيقي، من يرفض الفيلم يرفضه لأسباب تُناقش وتحترم، ومن يؤيد الفيلم يؤيده لأسباب وتحترم، لا مجال للتخوين مطلقًا، وحين يوجه الجمهور انتقادًا واسعًا للفيلم على وسائل التواصل الاجتماعي فليس هذا بالضرورة عمل لجان إلكترونية، من يتبنى هذا الرأي عليه أن يقف أمام الحقيقة ويسأل نفسه: هل تحول الرأي العام للجان إلكترونية؟ أليس من حق العامة أن يعبروا عن آرائهم؟ إن لم يُعْجَب الجمهور العام بالعمل وانتقده بشدة أليس هذا مؤشرًا لضرورة أن يصحو النقاد من غفوتهم ليدرسوا هذا العمل ويقيموه؟

لا يوجد عمل فني منزه، ولا إنسان مقدس، ومن يهاجم الجمهور قائلًا: “أم كلثوم إنسانه وليست مقدسة ولهذا أنسنها الفيلم” فعليه أن يتقبل الرد: “المؤلِّف ليس مقدس، وأعماله تقبل الصواب والخطأ، والاعتراض عليه ورفض عمله فنيًا ليس بالضرورة ناتجًا عن كراهية النجاح كما ادعى البعض أو تصفية حسابات شخصية”، نعم، قد لا يعجبنا رأي أحمد مراد – مؤلف الفيلم – قد لا يعجبنا إخراج مروان حامد – مخرج الفيلم – قد لا يعجبنا أداء الفنانة منى زكي – بطلة الفيلم- قد لا نرضى عنهم في هذا العمل، وهذا حق أصيل للجمهور، الأعمال الفنية يقدم أصحابها من خلالها رؤيتهم، وينقدهم النقاد ويحللون أعمالهم، ويُقيم الجمهور تلك الأعمال بحسه ووجدانه، فإما يقبلها أو يرفضها.

الأعمال التي صمدت سنينًا لم تصمد لأن كاتبها فلان أو فلان، أو أن ميزانية إنتاجها كانت ضخمة، هي أعمال صمدت لأنها قدمت رؤية ومعنى وشعور لامس الجمهور، أو أنها قدمت شيئًا ارتقى بالذوق العام للجمهور، أما أن تُفرض الأعمال الفنية على هذا النحو، ويُتهم أصحاب الرأي الرافض لها بأنهم لجان إلكترونية أو أعداء نجاح، فهذا غير مقبول على الإطلاق.

لمن فيلم “الست”؟

من هو الجمهور الذي حاول طاقم الفيلم تقديم العمل إليه؟ لست بحاجة للكثير من التكهنات لأجيب عن هذا السؤال، لأن مؤلفه أحمد مراد قالها في لقاء له مع الإعلامية لميس الحديدي، ذكر أن موقفًا بينه وبين ابنته الشابة التي وصفت أم كلثوم بالمرأة التي لا ترى وترتدي نظارة سوداء – ذكر أن هذا الموقف أشعره بأنه قد حان الوقت لكتابة فيلم عن الست، أحمد مراد اختار جمهور ابنته، جمهور شاب لا يعرف عن أم كلثوم الكثير، بل قد لا يعرف عنها شيئًا سوى اسمها، صورتها، بعض أسماء أغانيها، وحسها الصوتي فقط الذي يسمعه في بعض الأماكن، هذا الجمهور لا يعرفها، وعلى الأغلب لا رغبة أو دافع لديه لمعرفتها، ربما هنا يكمن الاختلاف بين هذا الجيل Generation Z وبين الجيل السابق له Millenium وأنا منهم.

لقد ولدنا بعد وفاة السيدة أم كلثوم، وكان المزاج العام لجيلنا مختلفًا، وكنا نعرف أم كلثوم من الجيل السابق لنا، لكننا شاهدناها كثيرًا على شاشة التلفزيون، سمعنا الكثير من أغانيها ولو بالمشاركة مع آبائنا وأمهاتنا، سمعنا حديثهم عنها، ترددت على مسامعنا أسماء شخصيات شهيرة في عهدها مثل القصبجي وأحمد رامي وبليغ حمدي والسنباطي وغيرهم، ثم جاء مسلسل أم كلثوم بطولة صابرين في 1999 ليروي لنا عن أم كلثوم، لكن لا أعتقد أننا وقتها قد شاهدناه باهتمام كافٍ أو قلب مفتفح، ولم نسعَ لنقرأ عنها، كنا مدركين لقوتها وعظمتها الفنية لكن السبب وراء هذه العظمة كان يرويه السابقون لنا: “قوة صوتها، غناء الشعر”، لكن مسلسل أم كلثوم أبرز الكثير جدًا عنها، بل وأضاء الكثير من أسباب عظمتها، هذه الأسباب بلغة العصر اليوم شديدة الأهمية ولافتة، وسأعود لها لاحقًا لأنها من أهم نقاط الضعف في قصة الفيلم.

وعودة للجيل الجديد من مواليد أواخر التسعينات حتى بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، الجيل الذي كُتب لأجله الفيلم، الجيل الذي يملأ صالات السينما، ويمثل مصدر الربح الأول للمنتجين، هل استطاع الفيلم إرضاءهم؟ نعم، لأنه مبهر بصريًا وسمعيًا، سريع رغم طول مدته، ذو طابع موسيقي غربي، وهذا يكفي لأن يخرجوا من صالة السينما راضين، بعضهم متأثر لأنه غير ناضج كفاية، وليس لأن الفيلم قدم قصة مؤثرة بالفعل، وهذا ما لمسته بنفسي.

فيلم “الست” بصريًا

إن حاولت تقييم الفيلم بصريًا فإنني أجد نفسي أمام ديكور جيد، أزياء جيدة، جودة صورة عالية، زوايا تصوير احترافية، مونتاج متقن رغم تحفظي عليه والذي سيرد لاحقًا، لكن الفيلم مبهر بصريًا على كل حال.

بالنسبة لي أعرف يقينًا أن هذا الإبهار البصري هو من سمات الفيلم السينمائي الناجح والمؤهل لعرض مشوق في صالة سينما، لهذا لا أقف كثيرًا عند عتبه الانبهار، أشعر دائمًا أن علي ألا أسلم نفسي لمخرج الفيلم على هذا النحو، أرغب أن يحترم مخرج الفيلم وكاتبه عقلي وعاطفتي، أن يقدما لي رواية جيدة بطريقة بصرية ملائمة لها.

ومن هنا أستطيع أن أقول بأن إخراج الفيلم وإبهاره البصري كان جيدًا بعيدًا عن القصة، أما حين أوفق بين الاثنين، أجد نفسي أمام إبهار لا يساوي ضعف النص المكتوب، المشاهد مبهرة رغم أنها فارغة، لا عاطفة حقيقية، لا تشبُّع، لا عمق، لا عظمة نص، هناك فقط كاميرا تقفز من هنا إلى هناك، هناك زوايا إبداعية، هناك مونتاج قوي، هناك محاولة للإيحاء بوجود قيمة، لكن هذه القيمة للأسف مفقودة.

فيلم “الست” سمعيًا

هنا أتحدث عن الموسيقى، المؤثرات، أداء الممثلين صوتيًا، هل كان الفيلم غنيًا فعلًا في هذا الجانب؟ ليس تمامًا.

موسيقى الفيلم قوية وجيدة ومثيرة حقًا، لكنها كالإخراج تمامًا، لا تلائم القصة، القصة في مصر في القرن العشرين، القصة تدور حول مطربة شرقية، القصة تدور في ثلثيها حول عصر كانت تُغنى فيه التواشيح الدينية والطقطوقات الشرقية، ومن ثم القصائد والزجل، هذا الطابع الشرقي لم يظهر في الفيلم، لم أشعر كمشاهد بأني أعيش بالفعل في مصر في مطلع القرن العشرين، العكس كان هو الصحيح، نحن نشاهد قصة في حقبة زمنية فائتة، لكننا نشاهدها بطابع اليوم وذوقه، وهذه الجملة سوف أستعيرها لاحقًا لأنها تضرب في عمق السيناريو.

المؤثرات الصوتية جيدة، الدمج بين جمل بصوت أم كلثوم وبين حوارات الفيلم أو موسيقاه كانت لفتة جميلة، وربما هي أجمل ما في الفيلم، رغم أن رأيي هذا قد يبدو محبطًا لفريق العمل، ما شعرت به بعد مغادرة صالة العرض أنني أرغب فقط بسماع أم كلثوم، فقط أرغب بصوتها وأغانيها التي أحبها مثل “سيرة الحب” و “لسه فاكر”، لكن هل شعرت بداخلي بأم كلثوم الإنسانة أو الست التي قال أحمد مراد أنه أراد أن يظهرها لنا؟ للأسف لا، لم أشعر بها مطلقًا على الرغم من أني مرهفة جدًا عند مشاهدة أي عمل أو قراءته، أعرف نفسي سيدة سريعة التأثر والبكاء، لا أقاوم المؤلف حين يحاول دمجي عاطفيًا، لكن سيناريو أحمد مراد لم يوفق حتى لدعوتي للاندماج.

أداء الممثلين لم يمثل مشكلة بالنسبة لي، لا هو بالجيد أو السيء، عادي، وبارد أحيانًا، كأنهم هم أنفسهم لا يصدقون ما يقولون أمام الكاميرا، هل كانت تلك طبيعة الناس في مصر في تلك الفترة؟ سأتحلى بالتسامح وأجامل المؤلف وأقول “ربما”.

لكن أداء البطلة منى زكي تحديدًا مثَّل مشكلة حقيقية بالنسبة لي، ليس لأن طبقة صوتها لا تشبه صوت أم كلثوم في حواراتها العادية كما ذكر البعض، ولكن لأن طريقة نطقها بدت متصنعة وبها لكنة لا تشبه أبدًا لكنة الريف، وكانت تسعى جاهدة لتغيير طبقة صوتها لتقترب من أم كلثوم لكن جاءت النتائج عكسية، لو أنها تحدثت بطبيعتها دون تغيير طبقة صوتها أو اصطناع لكنه غير موفقة لكان أفضل، لو أنها ركزت اهتمامها على التشبع بأم كلثوم والتحدث بروحها لا صوتها لكان أفضل
، وأعجب لرد أحمد مراد على الإعلامية لميس الحديدي حين قالت له الكثير من الجمهور علق على لكنة منى زكي، فأجابها بأنه يرى العكس تمامًا، وأن منى زكي كانت تتحدث بطبيعتها، هل هذا معقول؟

في حوار أم كلثوم مع وجدي الحكيم تبدو روح أم كلثوم الإنسانة، سيدة لطيفة رقيقة، تتحدث بلهجة العصر السائدة وقتها، ليست ريفية، ولا بورسعيدية ولا اسكندرانية، لهجة طبيعية سلسلة، كانت إنسانة بسيطة بالضبط كما كان يحلم أحمد مراد بكتابتها، لكن هل كانت منى زكي في قصة أحمد مراد هي تلك الإنسانة؟ للأسف لا.

مفردات الحوار كانت لافتة بالنسبة لي، لم تعبر مفردات الحوار عن العصر الحقيقي لتلك الشخصيات وحيث دارت الأحداث، حين أستمع لحوار أم كلثوم السابق الإشارة إليه وأقارنه بمسلسل أم كلثوم لصابرين – حينها أجد حضورًا واضحًا للمفردات المميزة لهذا العصر على عكس الفيلم، في مسلسل اأم كلثوم كنا محاطين بمفردات لا نستخدمها اليوم مثل “الصييت” السميعة” “التخت”وغيرها.

قصة فيلم “الست”.. ما لها وما عليها؟

بدأ فيلم الست بجملة هامة: “هذا الفيلم مُستوحى من أحداث حقيقية”، هنا أجد نفسي أمام سيناريوهين للنقاش:

الأول: أن الفيلم هو سيرة ذاتية لأم كلثوم.

الثاني: الفيلم يقدم قصة فنانة شرقية نجحت وتألقت في القرن العشرين، ويستوحي من حياة أم كلثوم أحداثه، لكن هذه “الست” ليست أم كلثوم.

لننظر إذن لكل سيناريو على حدة:

فيلم “الست” هو سيرة ذاتية لأم كلثوم

لو افترضنا أن الفيلم بالفعل هو سيرة ذاتية لأم كلثوم فهو يقدم لنا قصة مفككة، ضعيفة، وغير ناضجة، بل ومشوهة أحيانًا، وذلك لعدة أسباب.

امتدت حياة أم كلثوم لـ 77 سنة، ومشوارها الفني بدأ من سن مبكرة جدًا، وهذا يعني أننا أمام 70 سنة من الفن الذي أثرت وتأثرت به أم كلثوم، ونحن نملك مساحة محدودة للعرض، إذن كيف سنغطي كل هذه السنوات؟

كما أن حياة أم كلثوم متعددة الجوانب: جانب شخصي، أسري، عاطفي، مهني، فني، وجانب نفسي، حين نُسقط الجانب الفني كما ذكر أحمد مراد متعمدًا فإننا نسقط من الشخصية جانب حيوي وخطير، ليس لأن أم كلثوم مطربة وهكذا عرفها الناس؛ ولكن لكون هذا الجانب شغل مساحة ضخمة جدًا من حياتها، شكَّل الفن شخصيتها، وأثر أهل الفن في ذلك، وسر نجاحها مرتبط بهذا الجانب، ولن يستطيع أحد استحضار عظمتها والسبب الذي جعلها تتربع على عرش الغناء الشرقي دون أن يلم بكل ذلك.

حين وجهت الإعلامية لميس الحديدي سؤالها لأحمد مراد حول هذا التجاهل كان رده صادمًا بالنسبة لي، قال أحمد مراد بأنه لا يستطيع تعليم الجمهور ونقل هذا الجانب له، واختصر هذا المشوار في مثال لم يرق لي ولم يقنعني، اختصر مشوارها الفني بعلاقاته وتأثيراته بأنه المقام الفلاني أو النغمة الفلانية.

ليس مطلوبًا من فيلم عن أم كلثوم أن يقدم تثقيفًا موسيقيًا فيشرح للناس السلالم الموسيقية والإيقاع ومعنى الجواب والقرار والمقامات؛ لكن مشوار أم كلثوم الفني هو علاقاتها بالموسيقيين والشعراء، طريقة انتقائها للأغاني والألحان، طريقة تثقيفها لنفسها، تحولها من فتاة ريفية درست في الكتاب لسيدة مثقفة تقرأ الشعر وتتحدث الفرنسية، وفي هذه الرحلة تأثرت بالكثير من الشخصيات التي لا يمكن استبعادهم من سيرتها الشخصية لأنهم جزء منها مثل الشيخ أبو العلا، الشيخ زكريا أحمد، الشاعر أحمد رامي، محمد القصبجي، رياض السنباطي، بليغ حمدي، بيرم التونسي، محمد عبد الوهاب، وغيرهم من الصحفيين مثل التابعي ومصطفى أمين، وهناك الكثيرون جدًا، وهذا من نقاط القوة التي تميز بها مسلسل أم كلثوم.

بالطبع كان لدى مؤلف المسلسل المزيد والمزيد من الوقت، لكن كان لديه شيء آخر أهم من الوقت وهو الرؤية، أحمد مراد أراد استبعاد الحياة الفنية، و محفوظ عبد الرحمن – مؤلف مسلسل أم كلثوم – أراد مشوارها الفني بقوة.

وكما أراد أحمد مراد أنسنة أم كلثوم، فقد قدم المسلسل معاناة أم كلثوم كإنسانة ولم يتجاهل ذلك، أظهر علاقاتها بأسرتها، أصدقائها، تعرضها للتنمر، علاقاتها العاطفية، صراعاتها الفنية، وحدتها، مرضها، خوفها، بل إنه أظهر أيضًا بعض عيوبها، فبدت متسلطة أحيانًا، صارمة، جارحة أحيانًا لدرجة أن نجد القصبجي في خلاف حاد معها في أحداث المسلسل يضطر للدفاع عن نفسه بجملة مؤلمة لها:” أنا اللي عملتك”، ونجد عدم تسامحها مع سيد مكاوي الضرير حين تأخر نصف ساعة عن موعدها، هذا يعني أن القصة لم تظهرها ملاكًا ليأتي الفيلم ويظهرها إنسانًا وكأنه يأتي بالجديد مثلًا، ربما كان أداء صابرين ملائكيًا ونابعًا من دفء ملامحها وصوتها؛ لكني هنا أتحدث عن السيناريو وليس أداء الممثلة التي لعبت دورها.

من ناحية أخرى، حين نعتبر الفيلم سيرة ذاتية لها نجد أننا أمام مشكلات يصعب التغاضي عنها، الدقة في السيرة الذاتية أم لا يجوز تجاهله، مزج حدث بحدث لكتابة مشهد مثير أو قوي أمر غير مقبول على الإطلاق، يمكن للكاتب أن ينتقي الحدث الأقوى؛ لكن لا يجوز له أبدًا مزج حدث بآخر خاصة مع وجود دليل بصوت الشخصية نفسها.

ليكون الأمر واضحًا سأضرب مثالًا، حادثة البوسفور في الفيلم هي مزج بين حدثين: الحدث الأول كان في إحدى القرى حين رفع ابن العمدة السكير المسدس في وجهها ثم جاء أهل الليلة ليوقفوا مرتكب الفعل عند حده، الثاني هو مهاجمة بعض الشباب لها في مسرح البوسفور وسبها لهم ومن ثم صعودهم عل المسرح للتعدي عليها بالضرب، حينها ضربها والدها ليكف أذاهم عنها، ثم واصل ضربه لها في الحنطور من البوسفور للزمالك كما روت هي بنفسها، واختتمت حديثها بأنه ضربه لها كان خوفًا عليها، ماذا قدم الفيلم؟ قدمها في البوسفور والناس تتنمر على زيها وتطالبها بأن تغني يا عين يا ليل، ثم يرفع أحدهم المسدس في وجهها ليقول: “غني يا أرتست” فترد هي ويضربها والدها، ثم نسمع نهاية حديثها: “وفضل يضربني في عربية حنطور من البوسفور للزمالك”، هذا تزييف واضح وعدم أمانة في النقل من الكاتب، وهو أمر لا يمكن التسامح فيه فنيًا حتى لو كانت النوايا طيبة، وحين يأتي من يقول: “الفيلم يشوه أم كلثوم” فهو مُحق، هذا تشويه واضح للسيرة الذاتية المروية على لسانها، وسواء جملها هذا التزييف أو قبحها.

مثال آخر عن موقفها مع التابعي وهي تعطية 5 آلاف جنيه ليفتتح مجلة آخر ساعة، وإشارتها بأن مجلته سوف تكون هي الصوت الذي يعبر عنها، حين يختفي هذا الموقف من سيرة أم كلثوم وينفيه أحد أبناء التابعي، ونجد أن مجلة آخر ساعة قد افتتحت في سنة مختلفة وبقرض من بنك مصر، وأن مساهمة أم كلثوم كانت مع مصطفى وعلي أمين في جريدة أخبار اليوم، فإننا أمام مغالطة أخرى غير مقبولة في إطار سيرة ذاتية.

والسؤال الذي يطرح نفسه؟ حين انتقى مؤلف الفيلم ما انتقى، ما هو مقياسه الحقيقي؟ ماذا أراد من وراء هذا الدمج والتزييف للوقائع؟ ومن هنا نستطيع أن نفهم تعبير الفنان محمد صبحي بأن هذا الفيلم مؤامرة، شخصيًا لست من أنصار فكرة المؤامرة، ولا أحب هذا التعبير، لكن مع وجود تناقضات للواقع أجد نفسي أمام هذا التساؤل بالفعل، وأجد مخاوف البعض مستخدمين هذا اللفظ مبررة إلى حد كبير.

أيضًا تجاهل الفيلم للخط الصحيح لمرضها، ومحاولات علاجها في أمريكا، ووفاتها بمرض الكلى وليس الغدة الدرقية هو أيضًا سقطة في الكتابة غير مفهومة، زواجها من طبيبها وتغيير تخصصه أمر غير مفهوم أو مبرر، فإذا كنا نصنع سيرة ذاتية فلماذا نُعمل خيالنا واختياراتنا في أحداث حقيقية؟

ثم إن كان هدف أحمد مراد مناقشة الحياة الشخصية لأم كلثوم، فهل من المنطق أن يستبعد صداقاتها وخاصة صداقة روحية أمين وهي من خارج الوسط الفني؟ أليس للفنان أصدقاء يلعبون دورهم في حياته؟ ثم إن روحية أمين وأسرتها كان لهم دورًا هامًا جدًا في حادثة أوردها الفيلم، حين نشرت مجلة المسرح كلامًا مسيئًا لسمعة أم كلثوم فاتخذ والدها قراره بالعودة للريف، وتصرفه مفهوم كرجل ريفي خاضت الصحافة في عرض ابنته، حيث تروي أم كلثوم في مذكراتها التي نشرها محمود عوض في كتابه “أم كلثوم التي لا يعرفها أحد” – تروي بأنها قد راسلت أصدقائها برسائل كتبتها وهي تبكي تخبرهم فيها بقرار والدها بالرحيل، وتقول بأن لا أحد استطاع تغيير قرار والدها، لكن روحية أمين حين وصلتها رسالة أم كلثوم ذهبت مع أسرتها لزيارتها، واستطاع والدها التأثير على والد أم كلثوم مُبصرًا إياه بأن قرار الرحيل يعد دليلًا أمام الناس على صحة ما نشر وليس العكس، إذن ألم يكن من الإنصاف للحياة الشخصية أن تظهر روحية أمين، بل وأن تنال دور أمين السر في سيناريو الفيلم؟!

من جانب آخر، ورد في كتاب محمود عوض إياه كلامًا هامًا حول جانب شديد الخصوصية في حياة أم كلثوم، وإني لأعجب أشد العجب من تجاهل كاتب الفيلم لهذا الجانب إن كان فعلًا يرغب بتقديم أم كلثوم كإنسانة وكـ “ست” كما ذكر، وأعني بهذا الجانب هو طبيعة علاقة أم كلثوم بزوجها وحبها للأطفال الذين حُرمت منهم، لماذا لم يلتفت الفيلم للحقائق التي أوردها الكتاب وأوردها المسلسل على الهامش – وهذا محل تساؤل أيضًا بالنسبة لي – حول احتواء أم كلثوم لأبناء وأحفاد أشقائها، واحتضانها لنعمات وتربيتها وتعليمها لها ومكوثها في بيتها لسنوات، هل كان هذا الجانب عديم القيمة بالنسبة لسيدة مرضت وتزوجت وهي كبيرة بالسن وحُرمت من الأمومة؟ ألم يؤثر غياب الأبناء عليها؟ ألم يشعرها بالغربة؟ لماذا لم يطرح الفيلم هذا الجانب بعاطفته القوية مثلًا؟

وعلاقة السيدة أم كلثوم بأبوها وأمها وشقيقها خالد كانت جانب آخر من جوانب القصور الشديد، فأم كلثوم الإنسانة أو الست هي ابنة وأخت، علاقتها القوية بأبوها وخوفه وإغداقه عليها الذي صورته في مذكراتها ووصفها لأمها حقائق مثبتة بلسانها هي، حقائق تكشف لنا الكثير عن شخصيتها، كانت مطيعة لأبيها كأي فتاة ريفية مهذبة، استشعرت الحب من حب والديها والذي أقرته بنفسها في مذكرتها واصفة حب أبيها لأمها وأنه دونًا عن أشقائه وعما كان سائدًا لم يتزوج عليها أبدًا، ووصفت أمها بالطيبة والحنان رغم جهلها، وأنها كانت متدينة وتربيهم على الفطرة.

وذكر مؤلف الكتاب بأنها قد تأثرت بشدة بوفاة شقيقها خالد أثناء علاجها في أمريكا، وأنها حين علمت بوفاته حبست نفسها في غرفتها واعتزلت الدنيا وانقطعت عن الغناء، كيف لمشهد بهذا التأثير ألا يرد في سيرتها الذاتية إن كنا نركز عليها كإنسانة؟ كيف غابت أمها بهذا الشكل عن الفيلم لتظهر في مشاهد معدودة في البداية، مشاهد ضعيفة دراميًا وغير مشحونة بالعواطف.

ووالدها الشيخ إبراهيم الذي ظلمه الفيلم فجعله رجلًا مستغلًا لابنته ولصوتها، رجلًا يضربها أمام الناس، رجلًا يتخذ قراره بإرجاعها للريف بعد أن يقرأ ما نشر عنها، رجلًا يتراجع عن موقفه في دقائق، رجلًا ساذجًا يغشه الناس فتنبهه ابنته لأن ينتبه بلهجة تظهر تقليلها من شأنه، رغم أن الموقف الأخير والخاص بشراء الأراضي قد شرحته أم كلثوم بنفسها في حوارها مع وجدي الحكيم، وهو في معناه وظروفه يختلف كثيرًا عن المعنى الذي صوره الفيلم.

وثمت مشهد آخر في الفيلم تم فيه تزييف ما روته أم كلثوم عن نفسها، تم تزييفه لتشويه والدها لسبب لا يعرفه سوى كاتب النص، تروي أم كلثوم عن فقر أسرتها، وأنها كانت تسمع حديث والديها في آخر الليل حول ضيق الحال، وكانت تشعر بمعاناة أمها التي تحاول إخفاءها عنهم، وعندما أعطاها أحد الزبائن أجرتها عشرة قروش أطبقت عليها أصابعها حتى في نومها حتى وصلت للبيت، وعندها أعطتها لأمها بطيب خاطر ونامت الطفلة، أعطتها لأمها حبًا ورغبة في تخفيف ألم الأم، موقف جميل ومشحون بالعاطفة، لكن الفيلم جعل الأب يفتح أصابع ابنته النائمة ليأخذ النقود ويذهب، أليس هذا تشويهًا لحقيقة وعاطفة؟

فيلم “الست” يحكي عن مطربة شرقية خيالية ولكنه يستوحي أحداثه من قصة حقيقية

هنا يحلو لي النقاش والجدل الفني، إذا افترضنا أننا أمام قصة جديدة، قصة كانت السيدة أم كلثوم هي ملهمة الكاتب فيها، قصة بطلتها اسمها “ثومة” أو “سومة”، وهكذا سأناديها في هذا الجزء من مقالي للتمييز بينها وبين سيدة الغناء العربي أم كلثوم.

قصة ثومة هنا قصة مفككة مليئة بالثغرات، وهذا يظهر الخلط الكبير بين ما يعرفه الكاتب عن شخصيته الملهمة وبين ما قدمه، هو يعرف بأكثر مما قدم للجمهور، وما قدمه جاء مهلهلًا بحق، ولولا الخلفية المعرفية والثقافية لما استطاع الجمهور فهم الكثير من الأحداث والربط بينها.

الدليل على هذا الخلط هو حديث أحمد مراد نفسه، هو يقول نرى معاناتها ومقاومتها للمجتمع وصمودها، وأنا أقول له: نحن لم نرى شيئًا من هذا في الفيلم، على العكس تمامًا، بدا الفيلم وكأن الدنيا تفتح ذراعيها لثومة الطفلة ذات الصوت الجميل التي استغلها والدها لتكون مصدر دخل له، نرى الناس معجبون بصوتها في الريف، نراها تخرج من الشجار والمعركة التي دارت في الفرح الريفي سالمة ومحمولة على كتف والدها، نراها تنال فرصة الذهاب للكتاب على عكس أقرانها، نراها وقد أتاها متعهد حفلات من القاهرة ليغير حياتها، نراها تنجح بعد حادثة البوسفور دون عناء أو انكسار، نراها في حفل فيتنمر الحضور على زيها الذي اختار والدها أن يلبسها إياه وهو زي رجل بعقال، فتأتي سيدة وتسحبها من يدها وتؤمن بها وتُلبسها ثوب نسائي جميل.

نراها فجأة مع تخت، نراها قوية وتطالب بحقوقها في ثمن الاسطوانات، نراها وقد كتبت عنها مجلة المسرح كلامًا مشينًا فيقرر والدها العودة لبلده، ثم تحل العقدة في المشهد ذاته ببساطة.

نراها فجأة تعيش في فيلا، ثرية وتشتري أراضي وأطيان، نراها وقد هام بها أحمد رامي فرفضته لألا يتوقف إلهامه، نراها وخال الملك شريف صبري يهيم بها حبًا وهي تبادله حبه بحب، نراها وقد استطاعت أن تصل للصحافة وتكتب فيها، نراها قوية بعد رفض الملكة نازلي لزواج شقيقها بها، نرى الملك فاروق يمنحها وسام صاحبة العصمة.

ثم نراها مع قيام الثورة وحيدة، تشعر أن وسام الكمال الذي منحه لها الملك فاروق عار عليها اليوم ويصمها بأنها من العهد البائد، ثم نراها تتخلص من الوسام بحادثة قدرية غير متوقعة، حيث تتعرض للسرقة فيذهب الوسام، وتحرق هي كلمات الأغنية التي تذكرها بهذا الحدث، ثم نرى مجلس الثورة يصالحها ويأمرها بالغناء. 

ثم نراها تمرض فيخبرها طبيبها بأن مرضها سيؤثر على قدرتها على الإنجاب، وأن عليها أن تنجب الآن إن أرادت ذلك، فيظهر لنا عريس جاهز على الساحة هو محمود الشريف، ثم نرى القصبجي يتهجم عليها وعلى خطيبها حين فهم الناس من حديثها أنها قد تكف عن الغناء إن طلب زوجها ذلك، ثم نرى اختفاء محمود الشريف بسهولة بعد الحادثة.

ثم نراها وحيدة تعاني، فتبتسم لها الحياة فجأة وتتزوج من طبيبها، ويظهر طبيبها كرجل مطيع ودبلوماسي، ومتحضر، يصغرها سنًا لكنه يحبها ويحنو عليها ويدعمها.

ثم تقع النكسة فتحزن، فتقرر أن تؤدي حفلاتها وتجوب محافظات مصر والدول العربية وتذهب لفرنسا لتغني، وتقرر التبرع  بالإيرادات للمجهود الحربي، نراها تخطب في النساء لتحفيزهن، نراها تنجح، تنتقل من مسرح لمسرح، نراها تجمع التبرعات بأرقام خيالية، ثم نراها تموت في جنازة مهيبة.

والسؤال أين معاناتها الحقيقية؟ أين العقد الدرامية؟ أين الصراع؟ أين التطوير؟ أين حبس أنفاس المشاهدين؟ أين المشكلة التي استعصت عليها وجاهدت لحلها؟ ما هو السبب وراء شهرتها؟ لماذا هي وليس غيرها؟ ما هو موقف بقية الوسط الفني من شابة حديثة العمر تتألق بينهم؟ أين الصراع بين الريف والحضر في شخصيتها؟ كيف كان موقف والدها حين نزعت الزي الذي فرضه عليها واستبدلته بغيره دون موافقته ورضاه؟ من أين ظهر محمود الشريف والطبيب، ولماذا العرسان على الأبواب؟ كيف استقبل الجمهور خبر زواجها من الطبيب بعد رفضه لمحمود الشريف؟ كيف استطاعت أن تسافر وتغني وهي مريضة تتقطع أنفاسها كما صورها الفيلم في البروفات؟ وأين وأين وأين؟ عشرات الأسئلة التي تطرح نفسها على الساحة.

إن كان أحمد مراد يريد قصة ثومة المستوحاة من القصة الحقيقية فلماذا لم يغير في الخط الدرامي بجرأة؟ لماذا لم يبني لنا فصل افتتاح قوي ليجعلنا نرى شخصيته الجديدة ونعيش معها بعيدًا عن أم كلثوم؟ لماذا اختار أن تبدأ مثلها منشدة من عمر الطفولة وأن تنتمي مثلها لطماي الزهايرة وأن يحمل والدها وهي نفس الأسماء؟ لماذا لم يطور قصة حبها لأحمد رامي مثلًا؟ لماذا لم توافق على طلبه فتتزوجه لتكتشف بعدها أن الحب الذي جمع بينهما لم يكن حب رجل وامرأة ولكن كان حبًا في اتجاه واحد نحو الفن، وأن هذا الزواج قد جفف منابع الإبداع فانفصلا ليبقيا صديقين؟ لماذا لم يكن الكاتب مقدامًا ليقدم قصة تحمل رؤيته لكنها لا تسير على خطى شخصيته الملهمة على هذا النحو، فيقع في مشكلة التعارض مع الحقيقة والتزييف أحيانًا؟

وسواء كان فيلم “الست” سيرة ذاتية أو قصة مستوحاة فقد فشل فشلًا ذريعًا في تصوير مصر في تلك الحقبة الزمنية، نحن كمشاهدين لم نر مصر في مطلع القرن العشرين، لم نسمع موسيقاها، لم نر أشخاصًا يتحدثون بمفردات ذلك العصر، لم نرى شوارع وباعة وكازينوهات ومسارح وبيوت تنقل لنا هذا الشعور القوي بها، لم نجد تصويرًا مرئيًا للفصل الذي يحمل عنوان “القاهرة 26” في كتاب محمود عوض، وهو فصل شديد الروعة، واستطاع فيه المؤلف أن ينقل للقارئ صورة وصوت وطابع الحياة في القاهرة في ذلك الوقت، بل إنه أورد فيه أسعار بعض السلع، وذكر أسماء المطربين وقتها، وأورد كلمات لطقطوقاتهم، وصف الساحة الفنية، والوضع الاجتماعي والاقتصادي وقتها، هذا الفصل كان شديد الأهمية، وكان للأسف مفقودًا وبشدة في الفيلم، والمشاهد التي صورت وصول أم كلثوم للقاهرة كانت محدودة وغير مشبعة، أضف لذلك كما ذكرنا موسيقى الفيلم التصويرية، لنجد أنفسنا في النهاية أمام شخصيات تعيش في فقاعة وتحاول إقناعنا بأنها تعيش في مصر في القرن العشرين.

“الست” والنسوية المعاصرة

حين تجنب أحمد مراد الجانب الفني لأم كلثوم، واختار التركيز على حياتها الشخصية وأنسنتها كما يصف هو بكلامه، حول قصتها لبطولة نسوية، سيدة تصارع المجتمع والتقاليد والحياة، لكن المشكلة برأيي أنه عرض ذلك بمعايير القرن الحادي والعشرين وليس كما كان في زمنها.

من قراءاتي لمصطفى صادق الرافعي، كانت السيدات في بدايات القرن العشرين يتمردن بالمظهر وبالثقافة وبالمطالبة بالتعليم، كانت النساء محرومات من التعليم، وبالتالي العمل في مهن مثل الصحافة، وإن كانت بعض الفتيات تحظي بالقليل من التعليم لا يتعدى الابتدائية، فقد كان التحدي هو استكمال التعليم والالتحاق بالجامعة، ومن بعده صراع العمل.

وكان ثمة صراع آخر متعلق بالمظهر، وكان خلع النساء لليشمك وخروجهن بزينتهن شكل من أشكال التمرد، ولكن نساء تلك الفترة كن يتحدين المجتمع، يخرجن جميلات في مجالات لا يتصور الرجال وجودهن فيها، يذهبن للجامعة، للعمل، يعملن في الصحافة، كن يجاهدن للظهور شكليًا وفكريًا.

وثلاثية القاهرة لنجيب محفوظ تعبر عن نفس الصراع، فالنساء فيها ثلاثة أصناف: سلبيات قانعات جاهلات أو حاصلات على تعليم أساسي، نساء جريئات متعلمات عاملات، وعالمات (مغنيات وراقصات) متبرجات وجاهلات.

في قصة أم كلثوم نجد أننا أمام نموذج مختلف، فتاة ريفية درست في الكتاب، ثم خاضت حربًا مع نفسها وأسرتها لتظهر شكلها للناس وتتخفف من ملابس الرجال التي كانت من اختيار والدها، ثم فتاة تواجه المجتمع وتتحداه بالثقافة والتعليم في مجال اللغة، الشعر، الأدب، الفن والموسيقى، ثم امرأة تعمل في الحقل الفني والسينمائي، وفنانة تقاوم بقوة وإصرار الفن الهابط والكلمات الخليعة، ثم مواطنة تتدفق الوطنية في عروقها فتغني لوطنها، وتلبي طلب الجنود ولو بأغنية يتمنون سماعها، وتحزن وقت النكسة من قلبها، ثم تجوب البلاد وتغني لأجل بلدها، وتشجع على التبرع للجيش، نموذج للمرأة القوية التي فرضت على المجتمع حبها واحترامها.

لكنها لم تكن نسوية بالمعنى المتداول اليوم، ليست سيدة مستقلة صلبة وقاسية، لم ترفض الحب والزواج، لم تكن Independent woman بالمعنى المفهوم اليوم، كانت بداخلها سيدة ريفية تحترم والدها، تحب أسرتها، تحب بلدها، لينة في كلامها، وفية لمن دعمها، وكانت بسيطة وذات حس دعابي لطيف، ظهر ذلك من حديثها على لسانها، كانت تتحدث بحب عن أسرتها، تروي حبها للمهلبية والكراميلة وغزل البنات، تحكي عن نفسها في الكتَّاب، تذكر ببساطة ضعفها في مادة الحساب، تتحدث عن شيخ الكتاب الذي لم تكن تحبه وقتها وتشعر بأنه يتقصدها بكلمة “جاوبي يا فالحة”، ثم تغيرت مشاعرها تجاهه مع نضجها، تتحدث بوفاء عن الشيخ أبو العلا، تتحدث بحذر عما كان سائدًا وقتها في عالم الفن ورفضته، لم تكن خشنة الطبع أو القول كما أظهرها الفيلم، ولم تكن مسيطرة على أسرتها أو تمن عليهم أو تحاسبهم بقسوة، وذكرت بنفسها أن والدها كان هو من يدير كل شيء ويتسلم الأموال فترة طويلة، وشرحت لوجدي الحكيم تفاصيل الموقف الذي اعترضت فيه على رأي والدها في شراء أحد الأراضي، وكان حديثها ذو طابع مختلف تمام الاختلاف عما أورده الفيلم، فأم كلثوم – لو افترضنا السبرة الذاتية – أو ثومة – لو افترضنا القصة الخيالية – أتت برد فعل غريب حين طلبت من والدها أن ينصح شقيقها بإمساك يده عن شراء الأراضي باعتباره مسرفًا، هذا موقف غريب على فلاحة تدرك يقينًا أن الأرض هي الأصل، والحكاية في حقيقتها لم تكن كذلك، وكان رفضها هي لطريقة الشراء والسداد لضمان حقوقها وحقوق والدها بسبب تعرضهم لمشكلات ممائلة وليست نصبًا.

إظهار أم كلثوم أو ثومة تدخن هو قضية أخرى، توجد صور حقيقية للسيدة أم كلثوم وبيدها سيجارة، والتدخين بحد ذاته سلوك شخصي لا يعيبها، قد تكون مدخنة وهذا اختيارها، ولسنا اليوم بصدد محاكمتها أو محاسبتها عليه، لكن السؤال: إن لم يكن شائعًا عن أم كلثوم التدخين فلماذا اختاره المؤلف في الفيلم؟ هل هو عيب شخصي أثر أو تأثر بمشوارها الفني أو شكل شخصيتها؟ لا، السبب برأيي هو الصورة الحديثة للمرأة المتمردة، الكثير من السيدات يعتبرن التدخين شكل من أشكال الاعتراض، البعض يتخذه عادة وهذا كما ذكرت أمر شخصي، لكن البعض يعتبر المجاهرة به علامة على التمرد، وكأن المرأة تمسك السيجارة في العلن لتصرخ في وجه الرجل: “أنا حرة!”، لكن في الفيلم لم تدخن هي في العلن، كانت تدخن وحدها في لحظة اكتئاب، والاكتئاب يُعبر عنه بطرق عديدة، إذن لماذا السيجارة؟ لماذا هذا التعبير تحديدًا؟

حين أضع هذا الاختيار بجانب غيره من اختيارات المؤلف أجدني أرجح وبشدة نظرته النسوية، هي متمردة، متمردة على كل شيء، وفي لحظة انكسارها تدخن، وتحرق نفسها كما تحرق كلمات أغنيتها في النار أمامها، هي تكتئب وتنكسر بطابع القرن الحادي والعشرين.

هذا بالضبط ما أراده السيناريو، أرادها سيدة تحمل أفكار نسوية معاصرة، تطلب من والدها أن ينصح أخاها بالكف عن إضاعة المال في شراء الأراضي، تنبه شقيقها لضرورة حصوله على إيصالات لأنه ساذج وهي المرأة الأقوى، ترفض حب شاعر لها لكي لا تجف منابع إبداعه، تتجاوز بسرعة فشل قصة حبها مع خال الملك ثم فشل خطبتها، تقرر أن تتزوج فتنجح لأنها مطلب لكل رجل، تخطب في النساء لتحفزهن وتنجح، تدخن في لحظات ضيقها، تتعامل بصرامة مع فرقتها، تشتري صحفيًا بشكل ضمني لتكتب مجلته عنها، تكتب المقالات حتى وإن كان موضوعها تافهًا فقط لتقول للناس أنا موجودة وأنا حرة، واختيار الفيلم لموضوع المقال الذي تهكمت عليه الملكة نازلي هو محل تساؤل بالنسبة لي: هل كان مقال عن “لخبطة التليفونات” هو الاختيار الأنسب بالفعل؟

الغريب هو تجاهل الفيلم لمشوار أم كلثوم في التعليم والثقافة، على الرغم من أن هذا الجانب هو الأساس لكل سيدة تؤمن بحقها الطبيعي، وهذا هو الجانب الذي يجب أن تتساوى فيه المرأة بالرجل، التعليم حق للجميع، الثقافة حق للجميع، تذوق الفن حق للجميع، العمل حق للجميع، مع ذلك لم يعالج الفيلم هذا الجانب كما ينبغي.

وأخيرًا فيلم أم كلثوم قُدم بطريقة حديثة مظلمة بإيقاع سريع وطابع غربي، فيلم في رأيي أنا الشخصي ليس الفيلم الأفضل، وباعتقادي كان على فريق العمل أن يقدم الأفضل بكثير خاصة على مستوى الكتابة، كمشاهد لم ينل إعجابي، لم يمس وجداني، ولم يثري عقلي، شغفي للكتابة عنه ليس إعجابًا به بل هو إعجاب بالفن في حد ذاته، عشق للتحليل، محاولة للتعلم، وحين أضعه أمام مسلسل أم كلثوم أجد نفسي أميل للمسلسل رغم بساطة إنتاجه، قصة مترابطة، دافئة، ومشهد الصرخة الأخيرة لأم كلثوم قبل موتها هز وجداني.

فيلم “الست” عظيم أم فاشل؟

هل فيلم “الست” عظيم؟ لا.

هل فيلم “الست” فاشل؟ لا.

الرأي هنا رمادي بلا شك، ليس لأنه رأي مهزوز أو هش، بل لأن الرأي يعتمد على افتراضات كثيرة، ولأن عناصر العمل أكبر من أن تُختزل في كلمة جيد أو سيء.

هو عمل بنظري لم يُوفق لهدفه، لأن هدفه مشوش من الأساس، فلا هو قدَّم سيرة ذاتية للسيدة أم كلثوم بطريقة سينمائية جذابة وأمينة، واستطاع مؤلفه أن يصمد في وجه تحدي ضيق الوقت، وأن يفيد بحق من طبيعة الوسيط – السينما – ولا هو عمل فني جديد مُستوحى من أحداث حقيقية مكتوب بحبكة قوية ورؤية عميقة، هو للأسف في هذه الناحية سطحي للغاية، والسبب برأيي هو عدم وضوح رؤية الكاتب، فلا هو نقل أم كلثوم ولا كتب قصة جديدة من وحيها فوقع في اللبس.

مراجع تهمك

كتاب “أم كلثوم التي لا يعرفها أحد لمحمود عوض”

حديث أم كلثوم مع وجدي الحكيم

تغطية سلوى حجازي لرحلة أم كلثوم في باريس

حوار أحمد مراد مع لميس الحديد

الإعلان الرسمي فيلم الست

قيم هذا المقال

5 / 5. 1

كن أول من يقيم هذا المقال

Favorite

تعليقات القراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حالم

قصة فتى اضطرته الظروف القاسية لترك التعليم، تغيرت حياته، وصار عليه مواجهة واقع قاس، ومستقبل محفوف بالمخاوف على شقيقه الأصغر…
تابع القراءة
داخل فصل دراسي في مدرسة، توجد سبورة وطاولات وكراسي

نسمة السيد ممدوح

كاتبة ومذيعة مصرية من مواليد 1986، حاصلة على ليسانس الآداب قسم الإعلام – إذاعة وتلفزيون عام 2008.